
اليقين/ نجوى القاسمي
لا يمر رأس السنة الأمازيغية، الذي يحلّ في الرابع عشر من يناير من كل عام، مرورا عاديا في ربوع المغرب، خصوصا في القرى والمناطق الجبلية، حيث يتحول الزمن إلى ذاكرة، والاحتفال إلى طقس جماعي يعيد وصل الإنسان بالأرض والهوية.
فـإيض يناير ليس مجرد موعد في التقويم، بل لحظة رمزية تختزل قرونا من التراكم الثقافي والتجربة الفلاحية، وتعبر عن علاقة خاصة بين المغربي والطبيعة.
إنها بداية سنة فلاحية جديدة، تختلط فيها مشاعر التفاؤل بالحذر، وتُستحضر فيها عناصر المطر، والحبوب، والأرض الخصبة، باعتبارها مفاتيح الخير والوفرة.ورغم وحدة المناسبة، تتعدد أشكال الاحتفال من مجال ترابي إلى آخر، في صورة تعكس غنى الثقافة الأمازيغية وتنوعها. من سوس إلى الأطلس، ومن الريف إلى الهضاب الوسطى، تختلف الأسماء والطقوس.
سوس… مائدة الأرض وطقس التفاؤل
في مجال سوس ماسة، تستقبل الأسر السنة الأمازيغية الجديدة بطقوس ضاربة في العمق الزراعي والاجتماعي للمنطقة. وتعرف مدن مثل تيزنيت وأكادير وتارودانت استعدادات خاصة تمتد من 11 إلى 13 يناير، حيث تتحول البيوت إلى ورشات صغيرة لإعداد أطباق تراثية تجسد العلاقة العضوية مع الأرض.

الكسكس بالخضر، العصيدة المعروفة بـتاكلا الفواكه المجففة، آملو، العسل والبيض، كلها عناصر تزين المائدة السوسية، في مشهد يعكس فلسفة الاكتفاء والوفرة.
وتبقى «تاكلا» الطبق الأبرز، إذ تُحضر من دقيق الشعير أو الذرة وتزين بزيت الأركان أو العسل، قبل أن تُخفى داخلها نواة تمر أغرمي، في انتظار من يعثر عليها، باعتباره محظوظ السنة
ولا يكتمل المشهد دون الأهازيج الأمازيغية ورقصة أحواش الجماعية، حيث يرتدي الرجال والنساء اللباس التقليدي، بينما ينخرط الأطفال في طقوس رمزية بسيطة، تزرع فيهم معنى الاحتفال والانتماء.

الريف… طقوس متعددة وذاكرة مشتركة
في الريف، يحمل رأس السنة الأمازيغية اسم لحاكوز، وتختلف طقوسه من قبيلة إلى أخرى داخل إقليم الحسيمة. ففي قبيلة زرقت، تمتد الاحتفالات لثلاثة أيام، يُمنع خلالها طهي القطاني، ويُحضر طبق خاص يضم اللوز والجوز والزبيب والتين المجفف، بينما تتصدر أطباق محلية مثل الأرنب وجبة العشاء.

أما قبيلة آيت سداث، فتشتهر بفطيرة تانكولت المخصصة للأطفال، حيث يوضع جزء منها تحت الوسائد، اعتقادا بأن لالة الحاكوزة ستأخذ نصيبها، مانحة الأطفال البركة والحظ، في طقس قريب من تقليد نواة التمر بسوس.
وتستمر الطقوس صباح اليوم التالي بتحضير الدشيشة بالفول والفواكه الجافة، بينما تعتبر قبيلة آيت بونصار، المنتمية إلى صنهاجة السراير، هذا اليوم عطلة خاصة بالنساء، يمتنعن خلالها عن الأشغال اليومية ويشاركن في الولائم الجماعية.
وفي قبائل أخرى مثل كتامة وتاغزوت وآيت بشير، تحضر أكلات رمزية كالإسفنج وإركمان، وتتبادل الأسر التهاني بعبارات مثل أسكاس ذاميمون وأسكاس أماينو في تعبير جماعي عن الفرح واستقبال عام جديد.
الأطلس المتوسط… حين يجتمع الناس حول الذاكرة
في الأطلس المتوسط، خاصة بإقليمي خنيفرة وميدلت يتحول مساء 13 يناير إلى موعد جامع، تستعيد فيه القبائل علاقتها بالأرض والتاريخ.
وتقام الاحتفالات بشكل جماعي، تحت إشراف شيوخ القبائل، حيث تحضر وجبات تقليدية مثل الكسكس والعصيدة.

ومن أبرز الطقوس تشتيت الحبوب والفواكه الجافة في الحقول والمخازن والمراعي، في فعل رمزي يروم استدعاء الوفرة خلال السنة الجديدة. كما تخفى حبة تمر أو لوز داخل الأطباق، في طقس مشابه لما هو معمول به في سوس، ويُعد فال حسنا لمن يعثر عليها.
ولا يقتصر الاحتفال على الفضاء العائلي، إذ تمتد الأجواء إلى الساحات العمومية، حيث تُنظم سهرات فنية وأمسيات تراثية، تحييها فرق محلية تقدم أهازيج ورقصات جبلية، في مشهد يعكس غنى الموروث الثقافي للأطلس المتوسط.
هكذا، يظل إيض يناير أكثر من احتفال عابر إنه موعد سنوي تتجدد فيه ذاكرة الأرض، وتصان فيه الهوية الأمازيغية، ويجد فيه المغاربة، على اختلاف مجالاتهم، لحظة مشتركة للتفاؤل واستقبال عام جديد بأمل جماعي
We Love Cricket




