حكيم التوزاني لليقين: المكاسب الدبلوماسية للمغرب عبر مجلس السلام تتجاوز البروتوكول ( حوار)

اليقين/ نجوى القاسمي
في خطوة لافتة، وقع المغرب بمدينة دافوس السويسرية على الميثاق التأسيسي لـمجلس السلام (Board of Peace)، المقترح من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ليصبح أول دولة إفريقية تنضم إلى هذا الإطار الدولي الجديد. غير أن هذا الحدث، وإن بدا في ظاهره إجراء دبلوماسيا اعتياديا، يطرح في العمق أسئلة تتجاوز البروتوكول، وتتصل بدلالات الاختيار ومغزى الرهان الأمريكي على المملكة.
ولئن بدا الحدث، في ظاهره، مجرد انخراط في إطار دولي ناشئ، فإن التمعن في سياقه وتوقيته يكشف أنه يعكس قراءة أمريكية متراكمة لدور المغرب، لا باعتباره فاعلا ظرفيا، بل كشريك يتمتع برصيد من الثقة، والاستقرار، والقدرة على الاضطلاع بأدوار هادئة في بيئات نزاع معقدة. فاختيار المغرب كأول دولة إفريقية لا يمكن فصله عن تصور استراتيجي يضع المصداقية والاستمرارية المؤسسية في صلب هندسة السلام، بدل الاكتفاء بمنطق القوة أو التدخل المباشر.
وفي هذا السياق، أوضح الأستاذ حكيم التوزاني، أستاذ القانون الدولي العام والعلوم السياسية بجامعة جامعة ابن زهر، في حوار لموقع اليقين أن انخراط المغرب في مجلس السلام لا يحمل طابعا بروتوكوليا بقدر ما يعكس رهانا استراتيجيا على دور المملكة كفاعل موثوق في هندسة السلم والاستقرار الدوليين.

ماذا يعني اختيار المغرب كأول دولة إفريقية للانضمام إلى مجلس السلام الذي يقترحه دونالد ترامب؟
وفي هذا السياق، أوضح الأستاذ حكيم التوزاني، أستاذ القانون الدولي العام والعلوم السياسية بجامعة جامعة ابن زهر، أن اختيار المغرب كأول دولة إفريقية لا يمكن فهمه خارج منطق التراكم، لأن واشنطن لا تبني شراكاتها الاستراتيجية على ردود فعل ظرفية، بل على مسار طويل من الثقة والاستقرار.
وأضاف التوزاني أن الولايات المتحدة تنظر إلى المغرب باعتباره فاعلا هادئا، لا يتبنى خطابا صداميا، ويتمتع باستمرارية القرار السياسي، وهو ما يجعله مؤهلا للانخراط في مبادرات سلام لا تقوم على منطق فرض القوة، بل على هندسة التوافق.
ومن جهة أخرى، شدد المتحدث على أن هذا الانخراط يعكس تحولا أعمق في المقاربة الأمريكية للنزاعات الدولية، موضحا أن التجارب المكلفة في العراق وأفغانستان، ثم تعقيدات الوضع في غزة، دفعت واشنطن إلى إعادة التفكير في أدواتها، والانتقال من التدخل المباشر إلى الاعتماد على شركاء إقليميين موثوقين، قادرين على المساهمة في مرحلة ما بعد النزاع .
وفي هذا الإطار، يبرز المغرب، حسب التوزاني، كحالة متميزة، لأنه لم ينخرط تاريخيا في حروب الشرق الأوسط، ما جنّبه إرث العداء، وفي الوقت نفسه حافظ على علاقات متوازنة مع أطراف متعارضة، وهو عنصر حاسم في أي مقاربة تهدف إلى خفض التوتر وبناء الاستقرار
وبالانتقال إلى البعد الإفريقي، يرى الأستاذ الجامعي أن اختيار المغرب يحمل دلالة جيوسياسية واضحة، مبرزا أن المملكة تشكل حلقة وصل نادرة بين إفريقيا والعالم العربي، وهو ما يمنحها قدرة على التحرك داخل فضاءات متداخلة دون إثارة حساسيات إيديولوجية. وأضاف أن هذا الموقع الوسيط هو بالضبط ما تبحث عنه واشنطن في مبادرات السلام العابرة للأقاليم.
ما المكاسب الدبلوماسية المحتملة للمغرب من الانخراط في هذا الإطار الجديد؟
أكد الأستاذ حكيم التوزاني، أستاذ القانون الدولي العام والعلوم السياسية بجامعة ابن زهر بأكادير، أن انخراط المغرب في الإطار الدولي المقترح من قبل دونالد ترامب لا يمكن تقييمه بمنطق النتائج الفورية أو المكاسب المباشرة، نظرا لأن طبيعة هذا الإطار لا تزال في طور التشكل السياسي وليس التأسيس المؤسسي.
وأضاف التوزاني أن القراءة الاستراتيجية لهذا الانخراط يجب أن تنظر إليه باعتباره فرصة لتعزيز موقع المغرب، وزيادة نفوذه، وقدرته على التأثير في مسارات السياسة الدولية أثناء تشكلها، وليس مجرد امتيازات جاهزة أو التزامات واضحة.
وأوضح التوزاني أن المكاسب الأولى تكمن في تعميق موقع المغرب داخل دوائر القرار الأمريكية خارج القوالب الثنائية التقليدية، إذ يسمح له الانخراط المبكر بالولوج إلى لحظة التشكل، وهي مرحلة حاسمة تحدد حدود الممكن وغير الممكن، قبل أن تتحول المبادرات إلى سياسات عامة.
وأضاف أن هذا الانخراط يمنح المغرب هامش تأثير أوسع مقارنة بالدول التي تدخل فقط في مرحلة التنفيذ، إذ يمكنه المشاركة في صياغة الافتراضات التي تُبنى عليها السياسات، ما يشكل مكسباً استراتيجياً صامتا لكنه بالغ الأثر على المدى المتوسط والبعيد.
وأشار الأستاذ التوزاني إلى أن المكسب الثاني يتمثل في تحول الوساطة المغربية من رصيد معنوي تراكمي إلى وظيفة دبلوماسية عملية ذات أثر مباشر، لا سيما في سياقات ما بعد النزاع، حيث يمكن للمغرب أن يشارك في إعادة بناء الثقة داخل المجتمعات المتضررة، مستفيدا من خبراته الطويلة في القدس والعمل المدني والديني والمؤسساتي، بما يعزز دوره كفاعل قادر على الإنتاج الفعلي للاستقرار، لا مجرد إدارة الأزمات.
أما المكسب الثالث، وفق التوزاني، فيتعلق بقدرة المغرب على توظيف هذا الانخراط ضمن منطق ترابط الملفات داخل السياسة الدولية، وخاصة في دوائر القرار الأمريكية، ما يعزز مكانته التفاوضية ويكرس موقعه كفاعل إفريقي دولي موثوق قادر على لعب دور حلقة وصل بين الأبعاد الإفريقية والعربية والدولية.
وأكد أن هذه المكاسب لا تقاس بالنتائج المباشرة أو القرارات المعلنة، بل بالحضور المبكر في لحظة صياغة السياسات، حيث تتحدد الشرعية والأدوار وهوامش التأثير داخل نظام دولي متحول، تتراجع فيه فعالية الأدوات التقليدية لصالح الموثوقية، والاستمرارية، والقدرة على الإسهام الهادئ في إنتاج الاستقرار.
We Love Cricket




