
اليقين/ نجوى القاسمي
بينما تقف وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح العلوي، تحت قبة البرلمان لتحاضر في لغة الأرقام وتنتقد ما تسميه لغة التخويف ترى هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب (ORCM) أن الخوف الحقيقي لا يكمن في خطاب النقابات، بل في معاشات هزيلة جمدت لما يقارب 28 سنة، في وقت التهم فيه التضخم الأخضر واليابس، وأفقد المتقاعدين الحد الأدنى من الأمان الاجتماعي.
في هذا التصريح، يوضح عبدالعزيز رجاء، الرئيس المؤسس لهيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب، خلفيات موقف الهيئة من طريقة تعاطي الحكومة مع ملف التقاعد.
ما تعليقكم على دعوة الحكومة إلى إعادة تشخيص صناديق التقاعد؟
تدافع الحكومة عن اعتماد منهجية تشخيص ودراسة صندوق بصندوق”، مع المطالبة بتحيين الأرقام وتقديم معطيات مفصلة لكل من CMR وRCAR وCNSS وCIMR.
في ظاهر هذا الخطاب ما يوحي بالحكامة والشفافية، غير أن هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب ترى فيه مضيعة للزمن الاجتماعي الثمين.
فالواقع أن دراسات متعددة، بعضها حديث، أنجزت من طرف مؤسسات دستورية وطنية، من بينها المجلس الأعلى للحسابات، وهيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إضافة إلى تقرير مفصل للجنة برلمانية لتقصي حقيقة ما سُمّي بـإفلاس بعض صناديق التقاعد.
الإصرار على إعادة التشخيص ليس سوى محاولة لخلط الأوراق وتأجيل القرار الاجتماعي، على حساب فئة تناهز خمسة ملايين متقاعد وذويهم، رغم نضالاتهم ووقفاتهم المتكررة التي لم تحظَ بأي استجابة حكومية.
كيف تقيمون حديث الوزيرة عن التوافق قبل أي حل؟
تؤكد الوزيرة أن الحكومة لن تأتي بأي تصور أو حل دون توافق جميع الأطراف.غير أن هذا التوافق، كما ترى بعض أطراف المعارضة، ليس سوى محاولة لرمي الملف في ملعب النقابات. وقد وضعت المعارضة، خاصة الفريق الحركي، الحكومة أمام تساؤلات واضحة:هل تملك الحكومة رؤية فعلية، أم أنها تُخفي إصلاحا صادما؟ وهل يجوز تمرير قرارات مصيرية دون نقاش عمومي واسع؟
كما حذرت المعارضة من أن الوزن الانتخابي لا يمنح تفويضًا أخلاقيًا أو سياسيًا للحسم في ملف يمس السلم الاجتماعي للمغاربة.
ماذا عن استثمارات الصندوق المغربي للتقاعد في ظل الحديث عن الإفلاس؟
في الوقت الذي تُلوح فيه الدولة بسنة 2028 كتاريخ لـ“السكتة القلبية” للصندوق المغربي للتقاعد، تبرز مفارقة صارخة تتجلى في استثمار مليارات الدراهم في شراء مستشفيات جامعية.تطرح هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب سؤال السيولة
كيف لمؤسسة توصف بالمفلسة أن تضخ سيولة ضخمة في مشاريع عقارية؟ وترى الهيئة أن هذه الأموال هي في الأصل مدخرات المتقاعدين، وكان الأجدر توجيهها لرفع قيمة المعاشات وتحسين شروط العيش، بدل استخدامها لسد ثقوب الميزانية العامة.
ما هو مطلبكم الأساسي في هذه المرحلة؟
تتشبث هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب بمطلب فصل الزيادة في المعاشات عن ملف الإصلاح الهيكلي.
وتطالب بزيادة فورية عادلة يمكن للحكومة تنفيذها بمرسوم، مع تسقيف الحد الأدنى للمعاش في 3500 درهم، رغم المصادقة النهائية على الميزانية العامة لهذه السنة.
كما ترفض الهيئة ما سوق له كـإعفاء ضريبي، مؤكدة أن 96% من المعاشات هي أصلًا تحت عتبة التضريب، ما يجعل هذا الإجراء بلا أثر فعلي على الغالبية الساحقة من المتقاعدين.
من يتحمل المسؤولية التاريخية عن أزمة الصندوق؟
تؤكد هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب أن مبلغ 11 مليار درهم الذي صرح بسداده الوزير المنتدب فوزي لقجع لا يمثل سوى أصل الدين التاريخي الممتد بين 1957 و1996، دون احتساب الفوائد التراكمية.
وتعتبر الهيئة هذا الوضع نهبا قانونيا لمدخرات الموظفين والأجراء، وسببا جوهريا من أسباب أزمة الصندوق، بل أخطر من العامل الديموغرافي الذي تروج له الحكومة.
خلاصة موقفكم؟
إن الاختبار الحقيقي للدولة الاجتماعية لا يقاس بعدد الاجتماعات أو التقارير، بل بالجرأة السياسية لاتخاذ قرار اجتماعي عادل.
ربط الحق في العيش الكريم بمسار إصلاح طويل ومؤجَل يُعد شكلا من أشكال التنصل من المسؤولية.
فالمتقاعد المغربي لا يحتاج إلى لغات تكنوقراطية ولا إلى وعود مؤجلة، بل إلى إرادة اجتماعية تُخرج معاشه من قبو النسيان والإهمال.
فالكرامة حين تؤجل تتحول إلى إفقار صامت… وكرامة المتقاعد لا تنتظر.



