آخر الأخبار

116 مليون سنتيم للتواصل بجهة درعة تافيلالت… وبلاغات رسمية بلغة “أكلوني البراغيث”

نشر مجلس جهة درعة تافيلالت، بعد مرور أزيد من 24 ساعة على انتهاء دورة مجلس الجهة لشهر مارس الجاري، بلاغا مرفوقا بـ 68 صورة عامة وخاصة

مرة أخرى تطرح مسألة جودة التواصل المؤسساتي نفسها بقوة، بعد صدور بلاغ رسمي عن مجلس جهة درعة تافيلالت حول انعقاد دورته العادية لشهر مارس 2026، بلاغٌ كان من المفترض أن يعكس صورة مؤسسة دستورية يفترض فيها الحرص على الدقة والاحترافية، لكنه تحوّل إلى نص مليء بالأخطاء اللغوية والإملائية والتركيبية التي لا تخطئها عين قارئ بسيط.

وجاء في بلاغ مجلس الجهة، أن الدورة العادية عرفت “تقديم السيد المدير الإقليمي للسياحة، عرضا تشخيصيا” إلا أن البلاغ لم يحدد أي مدير إقليمي من أقاليم الجهة وما مجال تدخله وإشرافه؟ وكيف يمكن لرئيس الجهة أن يصفه بالمدير الجهوي، ويصفه بلاغ إدارته بالمدير الإقليمي؟ إضافة إلى ذكر البلاغ أنه “وتدارس المجلس اتفاقية الشراكة المبرمة مع شركة الخطوط الملكية المغربية لتعزيز الرحلات الجوية بمطارات جهة درعة-تافيلالت(الرشيدية-ورزازات-زاكورة) وجميع الملاحق المرتبطة بها، مع تقييم مدى تحقيقها للأهداف التنموية والمالية المتوخاة منها، كما صدق المجلس على إحداث لجنة خاصة لتتبع وتقييم الاتفاقية”، فكيف يمكن أن يكون المجلس قد تدارس الاتفاقية المبرمة مع “لارام” وقيم مدى تحقيقها للأهداف التنموية والمالية المتوخاة منها، ويصادق على احداث لجنة خاصة لـ”تقييم الاتفاقية” مجددا؟

وفي خطأ آخر، قال البلاغ “إلى جانب المصادقة على اتفاقية شراكة لتمويل برنامج التحسين من جاذبية وجمالية جماعة بوذنيب بإقليم الرشيدية، مع المصادقة على ملحق تعديلي لاتفاقية الشراكة المتعلقة بإحداث فضاء ترفيهي بالحزام الأخضر بمدينة زاكورة، و الصحيح والصواب، أن المجلس قام بإلغاء مقرر لنفس النقطة، و قام بإعادة المصادقة على المقرر مع تغيير في مبلغ الغلاف المالي المرصود من طرف وزارة الداخلية لإنجاز مضامين الاتفاقية، ولم يصادق عليها كما يصادق على الاتفاقيات للمرة الأولى.

إن البلاغ، الذي يفترض أن يكون وثيقة رسمية تعكس مستوى الخطاب المؤسساتي، تضمن أخطاء متعددة من قبيل كتابة؛ “حيت” بدل “حيث”، وإهمال الهمزة في عدد من الكلمات من قبيل و”اصبحت” و”لاعادة” و”ايضا”، و”اعمالها” بدل، و”الى” وهي أخطاء يعتبرها كثير من المتتبعين من أبسط قواعد الإملاء في اللغة العربية.

ولم تتوقف الهفوات عند الإملاء، بل امتدت إلى أخطاء نحوية وتركيبية، مثل عبارة “مبلغ ماليا مهما” بدل الصيغة الصحيحة “مبلغا ماليا مهما”، إلى جانب استعمال تعبيرات غير دقيقة مثل “لهاته الاتفاقيات” بدل “لهذه الاتفاقيات”، فضلاً عن تكرار عبارة “دعم و انعاش القطاع الرياضي” مرتين في الفقرة نفسها، وكأن البلاغ أراد التأكيد مرتين على الفكرة نفسها في جملة واحد، ما يبرز ضعف الانسجام الأسلوبي في أكثر من فقرة.

وتظهر الهفوات أيضاً في أسماء الجماعات الترابية، حيث وردت عبارة “جماعاتي املشيل والريش” دون حذف الالف في “جماعاتي” و دون همزة في املشيل، بينما الصواب هو “جماعتي إملشيل والريش”.، كما أن عبارة “المحور الرابط بين ورزازات وسكورة” تبدو ناقصة دلالياً، والأدق لغوياً هو “المحور الرابط بين مدينتي ورزازات وسكورة”.

ولا يخلو النص كذلك من أخطاء تحريرية بسيطة لكنها متكررة، مثل وضع مسافة بعد حرف الواو في عشرات المواضع.
قد تبدو هذه الأخطاء بسيطة لو تعلق الأمر بمنشور عابر على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن الأمر مختلف عندما يتعلق ببلاغ صادر عن مؤسسة دستورية، تشكل ميزانية تسييرها مئات ملايين الدراهم، يفترض أن تحرص على صورة خطابها الرسمي.

المفارقة تصبح أكثر إثارة عندما نضع هذه الأخطاء في سياق الأرقام؛ فمجلس الجهة متعاقد مع شركة للتواصل وترويج أنشطة المجلس، بقيمة تقارب 116 مليون سنتيم خلال 18 شهراً، أي ما يعادل حوالي 6.4 مليون سنتيم شهرياً، أو ما يقارب 2000 درهم يومياً.
ويطرح متابعون مهتمون، في ظل هذه المعطيات، سؤالا بسيطا، ماذا سيكون لو لم تكن هناك شركة تواصل أصلا؟ إذا كانت نتيجة هذا الاستثمار في التواصل بلاغات مليئة بالأخطاء النحوية والتركيبية والاسلوبية والمنهجية؟ ولماذا غابت هذه الأخطاء كليا خلال الفترة التي طبعت ما قبل تعاقد مجلس الجهة مع هذه الشركة؟

ويبدو أن التواصل المؤسساتي لدى مجلس جهة درعة-تافيلالت يعيش مفارقة يصعب تجاهلها؛ إذ يصرف ميزانية مهمة من أجل التواصل، وينشر لنا بلاغات رسمية مليئة بالأخطاء اللغوية التي لا تحتاج إلى خبير لاكتشافها، فالتواصل المؤسساتي ليس مجرد نشر أخبار الاجتماعات والأنشطة، بل هو واجهة المؤسسة وصورتها أمام المواطنين ووسائل الإعلام.

وعندما تصبح البلاغات الرسمية مليئة بالهفوات اللغوية، فإن الرسالة التي تصل إلى الرأي العام لا تتعلق فقط باللغة بل أيضا بجودة التدبير، وجودة اللغة ليست تفصيلا ثانويا، بل عنصرا أساسيا في مصداقية الخطاب العمومي.

هذا إن كانت شركة التواصل هي منتجة وناشرة البلاغ، أما إذا كانت مصالح الإدارة بالمجلس، فالمصيبة أعظم.

We Love Cricket

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى