بنرامل لليقين: الفلاحة المستدامة مفتاح تقليص الضغط على الموارد المائية بالمغرب ( حوار)

اليقين/ نجوى القاسمي
في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه الأمن المائي بالمغرب، تبرز الفلاحة المستدامة كأحد المفاتيح الاستراتيجية الأساسية لتقليص الضغط على الموارد المائية، خاصة وأن القطاع الفلاحي يُعد المستهلك الأكبر للماء، وفي الوقت نفسه الأكثر قابلية للتحول نحو نجاعة مائية أعلى.وفي تصريح لموقع اليقين ، في إطار حوار حول تحديات الأمن المائي بالمغرب، شدد الخبير البيئي مصطفى بنرامل على أن الفلاحة المستدامة تشكل اليوم رافعة استراتيجية لتقليص الضغط على الموارد المائية، معتبرا أن إصلاح النموذج الفلاحي لم يعد خياراً تقنياً ظرفياً، بل مدخلاً أساسياً لضمان الاستدامة المائية في سياق مناخي متغير.
كيف تقيمون دلالات التساقطات المطرية الأخيرة على الوضعية المائية بالمملكة؟
قال الخبير البيئي مصطفى بنرامل إن التساقطات المطرية الأخيرة التي عرفتها المملكة تحمل إشارات إيجابية على مستوى تحسن الموارد المائية، خاصة من حيث ارتفاع واردات عدد من السدود وتعزيز تغذية بعض الحواضن المائية، معتبراً أن هذه الأمطار ساهمت في تخفيف الضغط الآني على الاحتياطات بعد سنوات متتالية من الجفاف.
وأوضح بنرامل أن هذه المستجدات تنعكس بشكل مباشر على الوضع الفلاحي، حيث أعادت بعض الأمل للفلاحين، خصوصا في المناطق التي عانت من خصاص حاد في التساقطات، غير أنه شدد في المقابل على أن هذه المؤشرات الإيجابية تبقى ظرفية ولا تعني تجاوز الإشكال المائي بشكل نهائي.
وأشار الخبير البيئي إلى أن الوضعية المائية بالمغرب لا تزال هشة، موضحا أن معدلات التساقطات المسجلة تظل دون المتوسطات السنوية في عدد من الأحواض، كما أن حقينة السدود، رغم تحسنها النسبي، لم تبلغ بعد مستويات آمنة تضمن الاستقرار المائي على المدى المتوسط والطويل.
وربط مصطفى بنرامل هذه التقلبات بالسياق الأوسع للتغير المناخي، الذي أصبح يفرض أنماطا غير منتظمة من الأمطار، تتسم أحيانا بالغزارة في فترات قصيرة، ما يقلل من فعاليتها في تعزيز التجميع المائي وإعادة تغذية الفرشات الجوفية.
كما نبه إلى أن ضعف الحكامة المائية، سواء على مستوى تدبير البنيات التحتية أو التخطيط المجالي، يحد من الاستفادة القصوى من التساقطات، داعيا إلى اعتماد مقاربة استباقية تقوم على تحسين شبكات التجميع، وتطوير آليات تخزين المياه، وتعزيز التنسيق بين السياسات المائية والحضرية.
وختم بنرامل تصريحه بالتأكيد على أن تحويل هذه التساقطات إلى مكاسب مستدامة يمر عبر إصلاحات هيكلية في تدبير الموارد المائية، مع جعل التكيف مع التغير المناخي محوراً أساسياً في السياسات العمومية المرتبطة بالماء والتهيئة المجالية.
إلى أي حد يواكب تدبير السدود بالمغرب هذه التحولات المناخية؟
رغم التقدم الذي راكمه المغرب في مجال بناء السدود وتعبئة الموارد المائية، إلا أن التحولات المناخية المتسارعة تفرض اليوم تحديات غير مسبوقة على نموذج تدبير هذه المنشآت الحيوية. وفي هذا السياق، يرى الخبير البيئي مصطفى بنرامل أن تدبير السدود بالمملكة عرف خلال السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً على مستوى البنية التحتية والاختيارات الاستراتيجية، غير أن مواكبته للتحولات المناخية لا تزال جزئية ولا ترقى إلى مستوى التحديات المطروحة.
ويوضح بنرامل أن المغرب راكم تجربة تاريخية مهمة في مجال بناء السدود، مكنته لعقود من تأمين جزء أساسي من حاجيات الماء الشروب والري، وساهمت في دعم الأمن المائي والغذائي. غير أن هذا النموذج، القائم أساسا على منطق التخزين، أصبح اليوم أقل قدرة على الاستجابة لواقع مناخي جديد يتسم بعدم انتظام التساقطات، وتوالي فترات الجفاف، مقابل تسجيل أمطار غزيرة في فترات زمنية قصيرة.
ويشير الخبير البيئي إلى أن المنظومة الحالية لتدبير السدود تعاني من محدودية المرونة في التعامل مع الظواهر المناخية القصوى، إذ إن بعض السدود غير مهيأة بالشكل الكافي لاستقبال كميات كبيرة من المياه في وقت وجيز، ما يؤدي في حالات عديدة إلى اللجوء إلى التفريغ الاضطراري، وبالتالي ضياع جزء مهم من الموارد المائية دون استثمارها بشكل فعّال، سواء في التخزين طويل الأمد أو في تغذية الفرشات المائية الجوفية.
ويرى بنرامل أن الرهان الحقيقي لم يعد يقتصر على تشييد سدود جديدة، بقدر ما يستوجب إعادة التفكير في طرق تدبيرها ضمن رؤية شمولية تستحضر السيناريوهات المناخية المستقبلية. ويؤكد في هذا الإطار على ضرورة تحديث آليات تدبير السدود، وتعزيز الربط الوظيفي بينها وبين الفرشات الجوفية، إلى جانب تطوير أنظمة الإنذار المبكر للتعامل مع الفيضانات والأمطار الاستثنائية.
كما يشدد الخبير على أهمية الاستثمار في السدود الصغرى والمتوسطة، وحلول حصاد مياه الأمطار، خاصة في المناطق القروية وشبه الجافة، مع اعتماد حكامة مائية أكثر تكاملاً وتشاركية، تقوم على التنسيق بين مختلف المتدخلين وربط السياسات المائية بالتخطيط المجالي والبيئي.
ويخلص مصطفى بنرامل إلى أن التغير المناخي لم يعد مجرد سيناريو مستقبلي، بل أصبح واقعا معاشا يفرض انتقال المغرب من سياسة التكيّف الظرفي إلى تخطيط مائي استباقي ومستدام، يجعل من السدود عنصراً ضمن منظومة متكاملة لإدارة الندرة المائية، وليس الحل الوحيد لها.
إلى أي حد يمكن لهذه الأمطار أن تعالج الخصاص البنيوي في المخزون المائي؟
رغم الأثر الإيجابي الذي خلفته التساقطات المطرية الأخيرة على الوضعية المائية بالمغرب، يؤكد خبراء في الشأن البيئي أن هذه الأمطار، على أهميتها الظرفية، لا يمكنها لوحدها معالجة الخصاص البنيوي الذي يعانيه المخزون المائي الوطني، في ظل عقود من الضغط المناخي والاستغلال المفرط للموارد.
وفي هذا السياق، أوضح الخبير البيئي مصطفى بنرامل أن التساقطات الأخيرة ساهمت في التخفيف الآني من حدة العجز المائي، من خلال رفع منسوب عدد من السدود، وتحسين رطوبة التربة، ودعم الموسم الفلاحي في بعض المناطق، غير أن هذه المكاسب تظل مؤقتة ولا تعكس بالضرورة تعافياً هيكلياً للوضع المائي.
وأشار بنرامل إلى أن الخصاص البنيوي في الموارد المائية هو نتيجة تراكم مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها توالي سنوات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، إلى جانب التراجع المستمر في تغذية الفرشات المائية الجوفية، وتنامي الطلب على الماء بفعل التوسع الحضري والفلاحي، فضلاً عن محدودية نجاعة استعمال المياه، خاصة في القطاعات الأكثر استهلاكاً.
وأوضح الخبير أن طبيعة التساقطات المطرية، التي أصبحت أكثر تركزا زمنيا وأحيانا شديدة الغزارة، لا تسمح دائما بتغذية فعالة للمخزون الجوفي، إذ يتحول جزء كبير منها إلى جريان سطحي أو فيضانات، ما يقلل من أثرها الإيجابي على الأمن المائي على المدى الطويل.
واعتبر بنرامل أن معالجة هذا الخصاص البنيوي تفرض تحولاً استراتيجيا عميقا في السياسة المائية، يقوم على إعادة النظر في النموذج الفلاحي المائي، وتعميم تقنيات الاقتصاد في الماء، وتعزيز إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، إلى جانب توسيع مشاريع تحلية مياه البحر في المناطق الساحلية.
كما شدد على أهمية تطوير حلول بديلة ومكملة، من قبيل حصاد مياه الأمطار، والسدود التلية، وترسيخ ثقافة التدبير الرشيد للماء على المستوى المجتمعي، باعتبار أن الحفاظ على الموارد المائية لم يعد مسؤولية تقنية فقط، بل رهانا مجتمعيا واستراتيجيا.
ويخلص الخبير البيئي إلى أن الأمطار، مهما كانت غزيرة، تظل عاملاً مساعداً لا حلاً جذرياً، مؤكدا أن الرهان الحقيقي يكمن في بناء منظومة مائية مرنة وقادرة على الصمود، تجعل من كل قطرة ماء موردا استراتيجيا يجب تثمينه وحمايته في سياق مناخي متغير.
ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الفلاحة المستدامة في تقليص الضغط على الموارد المائية؟
في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه الأمن المائي بالمغرب، تبرز الفلاحة المستدامة كأحد المفاتيح الاستراتيجية الأساسية لتقليص الضغط على الموارد المائية، خاصة وأن القطاع الفلاحي يُعد المستهلك الأكبر للماء، وفي الوقت نفسه الأكثر قابلية للتحول نحو نجاعة مائية أعلى.
وفي هذا السياق، يؤكد الخبير البيئي مصطفى بنرامل أن أي إصلاح حقيقي لمنظومة الأمن المائي الوطني يظل رهيناً بإعادة هيكلة النموذج الفلاحي وفق مبادئ الاستدامة، مشدداً على أن الحلول التقنية الظرفية، رغم أهميتها، لا تكفي لوحدها لمواجهة الإكراهات البنيوية المرتبطة بندرة المياه وتغير المناخ.
ويوضح بنرامل أن الفلاحة المستدامة تساهم في تقليص الضغط على الموارد المائية عبر مستويات متعددة ومتكاملة، في مقدمتها ترشيد استعمال مياه الري من خلال تعميم تقنيات الري الموضعي والري الذكي، المعتمد على الحاجيات الفعلية للنبات، بدل أساليب الري التقليدية الكثيفة التي تؤدي إلى هدر كميات كبيرة من المياه.
كما يشير الخبير إلى أهمية إعادة توجيه الاختيارات الزراعية نحو زراعات أقل استهلاكا للماء وأكثر انسجاما مع الخصوصيات المناخية والبيئية للمجالات الترابية، بما يضمن توازناً أفضل بين الإنتاج الفلاحي والحفاظ على الموارد الطبيعية.
ومن بين الركائز الأساسية للفلاحة المستدامة، يبرز تحسين صحة التربة عبر الممارسات الزراعية الإيكولوجية، التي تعزز قدرة التربة على الاحتفاظ بالماء، وتحد من التبخر والانجراف، ما ينعكس إيجابا على مردودية استعمال المياه.
ويضيف بنرامل أن إدماج الطاقات المتجددة في عمليات الضخ والري يشكل بدوره عنصرا محوريا للحد من الاستنزاف غير المنظم للفرشات المائية، إلى جانب تشجيع إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة في الري، خاصة بالمناطق القريبة من الحواضر الكبرى، كحل عملي لتخفيف الضغط على الموارد التقليدية.
ولا يقتصر دور الفلاحة المستدامة، بحسب الخبير، على بعدها البيئي فقط، بل تمتد آثارها إلى الجانبين الاقتصادي والاجتماعي، إذ تساهم في ضمان استدامة دخل الفلاحين، وتقليص هشاشتهم أمام التقلبات المناخية، فضلا عن خفض كلفة الإنتاج على المدى المتوسط والطويل.
ويخلص مصطفى بنرامل إلى أن الانتقال نحو فلاحة مقتصدة للماء يستلزم مواكبة مؤسساتية قوية، تشمل التحفيز المالي، والتأطير التقني، ونقل المعرفة، مع إدماج البعد البيئي في صلب السياسات الفلاحية، حتى تتحول الفلاحة من مصدر ضغط على الموارد المائية إلى عنصر فاعل في تحقيق الأمن المائي الوطني.
We Love Cricket




