آخر الأخبارسياسة

التجمع الوطني للأحرار يرفع شعار الإنصات بعد سنوات من التراخي

اليقين/ نجوى القاسمي

يأتي انعقاد المجلس الوطني الدوري لحزب التجمع الوطني للأحرار في سياق سياسي واجتماعي دقيق، يفرض على الفاعلين الحزبيين أكثر من مجرد الالتزام بالطقوس التنظيمية المعتادة. فبينما يُقدَّم الاجتماع بوصفه محطة للتفاعل مع التحولات الراهنة، تظل الأسئلة مطروحة حول ما إذا كان الأمر يتعلق فعلاً بمحاولة مراجعة الخيارات والاختلالات، أم مجرد إعادة إنتاج لنمط تدبيري مألوف لا يخرج عن حدود الشكل.

تقليديا، تعقد هذه الدورة في مستهل كل سنة لمناقشة قضايا تنظيمية داخلية مرتبطة بالهياكل والتمديد أو التجديد، غير أن المؤشرات المتوفرة توحي بأن جدول الأعمال لن يبتعد كثيراً عن الدورات السابقة، رغم اختلاف الظرفية. وهو ما يعزز انطباعاً لدى متابعين بأن الرهان الحقيقي لا يكمن في مضمون النقاش بقدر ما يرتبط بإدارة التوقيت السياسي قبيل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

وبينما يُنتظر أن يعرض الحزب، الذي يقود الحكومة ويتوفر على أكبر فريق برلماني، أولوياته للمرحلة القادمة، لا يبدو أن هذا العرض كفيل وحده بتبديد الشكوك المرتبطة بقدرته على تحويل الشعارات إلى سياسات ملموسة، خاصة في ما يتعلق بالملفات الاجتماعية والاقتصادية التي راكمت توترا متزايدا في الشارع. إذ غالبا ما تحضر قضايا تحسين الخدمات العمومية ودعم الشباب والفئات الهشة في الخطاب، دون أن يواكبها أثر واضح في الواقع.

على المستوى التنظيمي الداخلي، يثير تدبير الدعوات وآليات الحضور داخل المجلس تساؤلات إضافية حول هامش النقاش الحقيقي، وحدود التأثير التي يسمح بها للأطر الجهوية، ما يفتح الباب أمام قراءات ترى في ضبط الإيقاع الداخلي وسيلة لتفادي نقاشات قد تكون محرجة في هذا التوقيت بالذات.

وفي سياق مواز، أعاد قرار وزارة الفلاحة فتح باب تلقي شكايات الكسابة غير المستفيدين من ترقيم قطعانهم الجدل حول طريقة تدبير الدعم العمومي. فبينما يُقدَم الإجراء كتصحيح لمسار مختل، يرى مهنيون أن السؤال الجوهري لا يتعلق بالخطوة في حد ذاتها، بل بتأخرها، ولماذا لم يتم تفعيل آليات الإنصات عندما كانت الشكاوى تتراكم، وكانت المساطر المعقدة تقصي فئات واسعة من الاستفادة.

هذا الملف لا يبدو معزولا، بل ينسجم مع نمط تدبيري طبع عددا من الأوراش الاجتماعية خلال السنوات الأخيرة، حيث تتكرر الاختلالات نفسها منصات رقمية محدودة الفعالية، تفاوت في التطبيق المحلي، ومعايير استهداف تفتقر إلى الوضوح. ورغم ذلك، نادرا ما تُقارب هذه الإشكالات باعتبارها مؤشرا على خلل بنيوي يستوجب مراجعة شاملة، بل غالباً ما تُختزل في حالات فردية.

وقد انعكس هذا الأسلوب سلبا على منسوب الثقة في برامج الدعم، التي وعدت بأن تشكل تحولا في السياسة الاجتماعية، لكنها اصطدمت بواقع إداري معقد، خاصة في العالم القروي، حيث يتضاعف الإحباط عندما يغيب التواصل الفعلي وتتعطل قنوات التصحيح.

اليوم، ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية ودخول البلاد مرحلة ما قبل انتخابية، يعود خطاب “الإنصات” إلى الواجهة بقوة، ليس باعتباره خيارا استراتيجيا دائما، بل كاستجابة متأخرة لضغط الواقع. وهو ما يجعل مسألة التوقيت في صلب النقاش: هل نحن أمام تحول حقيقي في المقاربة، أم مجرد محاولة لاحتواء التوتر الاجتماعي في مرحلة حساسة؟

We Love Cricket

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى