
اليقين/ نجوى القاسمي
في مشهد سياسي اعتاد على الوجوه ذاتها والخطابات المكرورة، جاء قرار عزيز أخنوش ليكسر الرتابة ويعيد طرح سؤال الزمن السياسي بجرأة غير مألوفة. لم يكن مجرد إعلان عدم الترشح لولاية ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، بل كان لحظة فاصلة تشبه إسدال ستار على فصل طويل، وفتح باب واسع على مسرح سياسي يتغير إيقاعه وقوانينه.
اختار عزيز أخنوش أن يغادر القيادة الحزبية وهو في ذروة القوة التنظيمية، لا تحت ضغط هزيمة ولا ارتباك داخلي، بل بإرادة محسوبة تعكس نضج التجربة وثقة في ما بُني. قرار يضع سابقة نادرة في الحياة الحزبية المغربية، حيث غالبا ما تتحول الزعامة إلى إقامة دائمة، لا يغادرها القادة إلا مكرهين.
بهذا المعنى، لا يبدو المؤتمر الاستثنائي المرتقب في 7 فبراير بالجديدة مجرد محطة تنظيمية عادية، بل أشبه بامتحان جماعي لمدى رسوخ المؤسسات داخل الحزب، وقدرته على إنتاج قيادة جديدة دون أن يهتز توازنه أو يفقد بوصلته. إنها لحظة ما بعد المؤسس، حيث يُفترض أن تتكلم الهياكل لا الأشخاص، وأن ينتصر المنطق المؤسساتي على الكاريزما الفردية.
في الجهة المقابلة، يسلّط هذا التحول الضوء، بقوة المفارقة، على جمود أحزاب أخرى، وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية، حيث ما يزال عبد الإله بنكيران متشبة بالقيادة، رغم التراجع الانتخابي والإنهاك التنظيمي، ورغم إقصاء أو تهميش أسماء كانت قادرة على تجديد الدماء واستعادة الثقة. هنا لا تبدو المقارنة في صالح من يرفض المغادرة، لأن السياسة، مثل الحياة، لا تعترف بالفراغ الطويل ولا بالحنين الدائم إلى الماضي.
منذ 2016، قاد أخنوش ورشا لإعادة بناء الأحرار، راهن فيه على التنظيم، والانضباط الداخلي، فانتقل الحزب من الهامش إلى الصدارة، وتوج هذا المسار بتصدر انتخابات 8 شتنبر 2021. غير أن القيمة الرمزية الأكبر اليوم لا تكمن فقط في ما تحقق، بل في كيفية مغادرة الموقع
ما سيسفر عنه المشهد السياسي في المرحلة المقبلة، قد لا يكون انقلابا جذريا، لكنه بالتأكيد بداية اهتزاز في ثقافة الزعامة الأبدية. خطوة أخنوش تضع الجميع أمام مرآة الزمن
إما أحزاب تتجدد فتستمر، أو قيادات تتكلس فتتآكل. وبين هذا وذاك، يبدو أن السياسة المغربية دخلت ولو بخطوات بطيئة، زمن السؤال الكبير: متى نغادر؟ وكيف نترك ما بنيناه قادرا على العيش من دوننا؟
We Love Cricket


