محمد حبيب لليقين : الضغوط المالية والتوقعات الاجتماعية تجعل العطلة تحديا للأسرة المغربية

اليقين/ نجوى القاسمي
مع حلول العطلة المدرسية، يفترض أن تنفصل الأسر المغربية مؤقتا عن إيقاع الدراسة اليومي، وأن يجد الأطفال متنفسا للراحة واللعب، في فترة طالما ارتبطت بالفرح والانفراج النفسي.
غير أن هذا المشهد لم يعد يعكس واقع عدد متزايد من العائلات، التي باتت تستقبل العطلة بقلق أكثر مما تستقبلها بارتياح.
فالارتفاع المستمر لتكاليف المعيشة جعل من العطلة المدرسية عبئا إضافيا على ميزانيات الأسر، بعدما تحولت مصاريف السفر، والتنقل، والأنشطة الترفيهية إلى كلفة تفوق إمكانيات شرائح واسعة من المجتمع. ولم تعد العطلة، بالنسبة لكثيرين مناسبة للتخطيط أو الادخار بقدر ما أصبحت مرحلة لتدبير ضغط مالي جديد
أكد الأستاذ محمد حبيب، أخصائي في علم النفس الاجتماعي في تصريح خص به موقع اليقين أن العطلة المدرسية، التي يفترض أن تكون فترة انفراج نفسي واستراحة للأطفال، لم تعد في الواقع المغربي المعاصر كذلك، بل تحولت إلى فضاء للضغط النفسي والمساءلة الاجتماعية.
وأوضح أن هذا التحول لا يرتبط فقط بالجانب المادي، بل يتجاوز ذلك إلى البعد الرمزي والدور الاجتماعي للوالدين، حيث أصبح النجاح الأسري والوالدية الجيدة يُقاسان وفق مؤشرات مرئية، مثل السفر والترفيه وتنظيم الأنشطة، وهو ما يضع الأسر تحت ضغط مستمر، خصوصاً تلك التي تواجه محدودية الموارد المالية.
وأشار حبيب إلى أن غياب معايير واضحة لماهية العطلة الكافية يجعل الأفراد يعتمدون على الآخرين كمراجع لتقييم أنفسهم، وهو ما يفعّل آليات المقارنة الاجتماعية الصاعدة، بحيث يقيس الآباء تجاربهم بتجارب مثالية على وسائل التواصل الاجتماعي، رغم أن هذه الصور لا تعكس الواقع الكامل، مما يولد شعورا بالفجوة بين ما يعيشه الفرد فعلياً وما يفترض اجتماعيا أن يعيشه
وأضاف أن هذه المقارنة لا تعمل على مستوى الوعي فقط، بل تعيد تشكيل التوقعات والمعايير الشخصية للأداء الأسري، ما يضاعف الضغط النفسي حتى لدى الأسر المستقرة نسبيا
وتابع الباحث أن التهديد هنا ليس ماديا فحسب، بل يمتد إلى الكرامة النفسية، حيث يرتبط الشعور بالجدارة الاجتماعية بالقدرة على أداء الأدوار المتوقعة، وعندما يعجز الوالدان عن تلبية الحد الأدنى من متطلبات العطلة كما يُنظر إليها اجتماعياً، يتحول العجز الظرفي إلى تأويل ذاتي سلبي يولّد الخجل والذنب وتراجع تقدير الذات.
كما شدد حبيب على أن الأثر الاقتصادي للعطلة يلعب دورا محوريا، فارتفاع تكاليف المعيشة يجعل مصاريف السفر والتنقل والأنشطة الترفيهية عبئا إضافيا على ميزانيات الأسر، مما يقلل من قدرتها على الادخار ويحوّل العطلة من فرصة للتخطيط المالي والاسترخاء إلى مرحلة لتدبير ضغط مالي جديد.
وأكد أن هذا الواقع يجعل من الضروري إعادة النظر في مفهوم العطلة المدرسية، بحيث تستعاد قيمتها كفترة للراحة واللعب دون ضغط اجتماعي أو اقتصادي، ويصبح الهدف الأساسي دعم الأطفال والأسرة في آن واحد، وليس مجرد استعراض مظاهر الحياة المثالية.
ورغم كل الإكراهات، تظل العطلة المدرسية حاجة نفسية أساسية للأطفال وحقا مشروعاً لهم. غير أن إنجاحها في ظل موجة الغلاء المتواصلة يفرض مقاربة واقعية ومتوازنة، إلى جانب الحاجة إلى سياسات اجتماعية ومبادرات ترفيهية ميسّرة، تتيح للأسر، بمختلف أوضاعها، فرصة الاستفادة من عطلة تحفظ كرامتها وتراعي إمكانياتها.




