
في خضم الحماس الجارف الذي يرافق التظاهرات الكروية الكبرى، يعود النقاش مجددًا حول موقع الثقافة في سلّم اهتمامات المجتمع. وقد عبّر رضوان بن عبد السلام عن هذه الإشكالية بوضوح حين تمنى أن يحظى المعرض الدولي للكتاب بنفس القدر من الاهتمام الذي تحظى به كأس إفريقيا لكرة القدم، في تصريح يعكس واقعًا لا يمكن تجاهله.
لا أحد ينكر أن كرة القدم أصبحت ظاهرة اجتماعية بامتياز، قادرة على توحيد الجماهير وصناعة لحظات من الفرح الجماعي. غير أن هذا الزخم الإعلامي والتنظيمي الكبير الذي يُسخَّر للبطولات الرياضية، يسلّط الضوء على غياب اهتمام مماثل بالأنشطة الثقافية، وعلى رأسها معارض الكتب، التي تظل رغم أهميتها في الظل.
المعرض الدولي للكتاب ليس مجرد مناسبة لاقتناء الكتب، بل هو فضاء للحوار الفكري، ومنصة لتبادل الأفكار، وفرصة لاكتشاف عوالم جديدة من المعرفة. إنه حدث يعكس مستوى الوعي الثقافي للمجتمع، ويشكّل ركيزة أساسية في بناء الإنسان وتنمية قدراته النقدية والإبداعية.
إن المفارقة بين الاهتمام بكأس إفريقيا للكرة وبين ضعف الإقبال على المعارض الثقافية، تطرح تساؤلات عميقة حول أولوياتنا: هل أصبح الترفيه يتقدم على المعرفة؟ وهل نمنح الثقافة المكانة التي تستحقها في حياتنا اليومية؟
ولا يقف الأمر عند حدود الحضور الجماهيري فقط، بل يمتد ليشمل طبيعة التغطية الإعلامية والدعم المؤسسي. فبينما تتحول المباريات إلى حدث وطني تُعبّأ له الإمكانيات وتُسخَّر له القنوات والمنصات، يمرّ المعرض الدولي للكتاب في كثير من الأحيان مرورًا خجولًا، رغم ما يحمله من قيمة معرفية ورمزية.
إن إعادة الاعتبار للكتاب تبدأ من المدرسة، حيث تُغرس عادة القراءة، وتمر عبر الإعلام الذي يجب أن يمنح الثقافة مساحة أوسع، وصولًا إلى السياسات العمومية التي ينبغي أن تضع الاستثمار في الفكر ضمن أولوياتها. فالمجتمع القارئ هو مجتمع قادر على الفهم والتحليل، وعلى مواجهة التحديات بوعي ومسؤولية.
ولا يعني ذلك التقليل من شأن الرياضة، بل على العكس، يمكن أن تكون شريكًا للثقافة في بناء إنسان متوازن، يجمع بين صحة الجسد ونضج الفكر. غير أن الاختلال في هذا التوازن هو ما يستدعي اليوم وقفة تأمل ومراجعة.
في النهاية، يبقى الرهان على وعي جماعي يُدرك أن المباريات تنتهي بصافرة الحكم، أما أثر الكتاب فيبقى ممتدًا في الزمن
We Love Cricket




