
لا يمكن لعين منصفة أن تخطئ ملامح الثورة الهادئة التي تعتمل اليوم داخل فصول "مدارس الريادة"؛ فالمؤشرات الميدانية تؤكد أننا بصدد مصالحة تاريخية بين المتعلم وكفاياته الأساس. فلقد نجح التعليم الصريح في انتشال آلاف التلاميذ من تعثرات القراءة والحساب، محولا الحجرة الدراسية من فضاء للتلقي السلبي إلى مختبر لبناء الثقة والتمكن. لكن، ومع هذا التثمين المستحق لهذا النموذج الذي أعاد للتلميذ اعتباره كـ "منجز واثق"، نجد أنفسنا أمام مفارقة بيداغوجية حين يدق جرس "درس العلوم".
وفي هذا الإطار، نرى أنه في تدريس النشاط العلمي، لا يوجد تعارض حقيقي بين التعليم الصريح ونهج التقصي المعتمد في منهاج هذه المادة؛ التعارض يقع فقط حين يفهم التقصي على أنه ترك المتعلم يكتشف كل شيء وحده منذ البداية.
إن الأدبيات التربوية تميز بوضوح بين التقصي الموجه والاكتشاف الحر ضعيف التوجيه. فحين يكون المتعلم في طور بناء المعارف والمهارات الأولى، فإن تقليل التوجيه يرهق ذاكرته العاملة ويجعله يستهلك جهده في فهم المطلوب، بدل توجيه هذا الجهد إلى فهم الظاهرة العلمية نفسها. هذا هو جوهر ما دافعت عنه أبحاث جون سويلر وبول كيرشنر وريتشارد كلارك: المتعلم المبتدئ يحتاج إلى توجيه وبناء تدريجي للمعرفة قبل مطالبته بحل المشكلات المركبة أو إنتاج أسئلة علمية مستقلة.
من هنا، يكون التعليم الصريح هو الشرط المعرفي الذي يجعل التقصي ممكنا، لا البديل الذي يلغي التقصي. فالتعليم الصريح يتكفل أولا بتدريس المفاهيم الأساسية، والمفردات العلمية، وخطوات الملاحظة، وصياغة السؤال، وبناء الفرضية، وقراءة المعطيات، واستخلاص الاستنتاج. وعندما تدرس هذه الأدوات بوضوح، عبر النمذجة والتفكير بصوت عال والممارسة الموجهة، فإن المتعلم لا يدخل حصة العلوم فارغ اليدين، بل يدخلها وهو يمتلك “عدة التقصي”. عندئذ يصبح التقصي ممارسة واعية ومنظمة وليس مغامرة ذهنية مربكة. وهذا ينسجم مع مبادئ روزنشاين في التعليم الفعال، التي تؤكد أهمية عرض المادة في خطوات صغيرة، والتحقق من الفهم، وتوفير ممارسة موجهة قبل الاستقلالية.
إن الربط العلمي بين الصريح والتقصي يمكن تلخيصه في فكرة بسيطة: الصريح يبني، والتقصي يوظف. فقبل أن نطلب من التلميذ أن يتساءل علميا، يجب أن نعلمه كيف تكون الملاحظة العلمية مختلفة عن الملاحظة العفوية. وقبل أن نطالبه بفرضية، يجب أن ندربه على التمييز بين الرأي والتفسير القابل للاختبار. وقبل أن نطالبه بالاستنتاج، يجب أن نرسخ لديه معنى الدليل والعلاقة بين المعطى والنتيجة. بهذا المعنى، لا يبدأ التقصي من الفراغ، بل من رصيد معرفي وإجرائي سبق بناؤه بالتعليم الصريح.
ولهذا فإن الصيغة الأكثر نجاعة في النشاط العلمي ليست: “إما تعليم صريح أو تقص”، بل: “تعليم صريح يقود إلى تقص موجه ثم إلى تقص أكثر استقلالية”. تبدأ الحصة بتوضيح الهدف العلمي والمفاهيم والأدوات، ثم ينتقل الأستاذ إلى نمذجة طريقة السؤال أو التجريب أو تفسير النتائج، ثم يرافق المتعلمين في ممارسة موجهة باستعمال دعامات وأسئلة مساعدة، وبعد ذلك فقط يفتح لهم مجال أوسع للتقصي والاستنتاج. هذه الهندسة لا تقتل الفضول، بل تحميه من الضياع؛ لأنها تنقل المتعلم من الحيرة إلى الفهم، ومن الفهم إلى التطبيق، ومن التطبيق إلى الاستقلال.
وتزداد أهمية هذا الربط حين نتذكر أن التقويمات الدولية في العلوم لا تقيس الحفظ وحده، بل تقيس المعرفة والتطبيق والاستدلال. إطار TIMSS 2023، مثلا، ينظم الأداء العلمي بالإضافة إلى مجالات المحتوى إلى مجالات معرفية تشمل المعرفة والتطبيق والاستدلال؛ وهذا يعني أن التلميذ يحتاج أولا إلى معرفة منظمة، ثم إلى القدرة على توظيفها، ثم إلى الاستدلال بها. ومن هنا، فإن تعميم منطق التعليم الصريح على النشاط العلمي وباقي المواد لا يمثل تراجعا عن المنهاج، بل هو السبيل الواقعي لبناء متعلم قادر على الفهم والتطبيق والتفكير معاً.
لذلك، فإن الدرس العلمي والبيداغوجي الذي تقدمه “مدارس الريادة” اليوم واضح: ما نجح في القراءة والرياضيات ينبغي ألا يبقى نجاحا قطاعيا، بل يجب أن يتحول إلى فلسفة تربوية مندمجة تمتد إلى النشاط العلمي والتربية الإسلامية وسائر المواد، مع تكييفها وفق طبيعة كل مادة. فالنموذج المتكامل لا يقوم على تعميم الشعار، بل على تعميم شروط النجاح: وضوح المقاصد، تدرج التعلم، النمذجة، التوجيه، الممارسة، ثم الاستقلالية. وعندها فقط لن يكون التعليم الصريح خصما للتقصي، بل سيكون بوابته الصحيحة.




